Cherreads

Chapter 10 - ظلال لا تُرى

ليس كل خطر يُرى… بعضه ينتظر أن تطأه القدم.)

كان الطريق هذه المرة مختلفًا.

سهلٌ مفتوح، أرض منبسطة تمتد حتى الأفق، تتناثر فيها أشجار النخيل متباعدة، كأنها جنود حراسة وُضعوا على عجل.

الرمال ناعمة تحت الأقدام، والهواء خفيف يحمل رائحة الصحراء الجافة، رائحة لا تهدد بشيء… لكنها لا تطمئن أحدًا.

ساروا بصمت.

نَجّار في المقدمة، كتفاه مشدودتان كمن تعوّد أن يكون الدرع الأول.

خلفه أرام، رأسه منخفض قليلًا، يمشي بدور الخادم كما اتفقا، لكن عينيه كانتا تعملان بلا توقف.

إلى اليمين نِبالْيان، يقرأ الأرض كما يقرأ الرجل كتابًا مفتوحًا،

وإلى اليسار سولان، عيناه لا تفارقان أعالي النخيل، كأنه ينتظر سقوط شيء من السماء.

كانت السهولة… خادعة.

في منتصف النهار، توقّف سولان فجأة.

لم يكن التوقف مفاجئًا في حركته، بل في سكونه.

كانت قدمه معلّقة فوق الأرض، فوق مجموعة من الأغصان الصغيرة المتشابكة. أغصان تبدو طبيعية للوهلة الأولى… لكنها مرتّبة أكثر مما يجب، ومثبتة بقسوة لا تعرفها الرياح.

وقبل أن ينقل ثقله، ارتفع صوت أرام بهدوء قاتل:

«لا تتحرك.»

تجمّد سولان في مكانه.

لم يسأل، لم يلتفت. تعلّم في الجبال أن الصوت الذي لا يرتجف… لا يُجادل.

ثم جاء الصوت من الأعلى.

صوت رجل يصرخ من فوق نخلة عالية:

«إن حرّكت قدمك شبرًا واحدًا… ستحترق حيًّا!»

رفعوا رؤوسهم دفعة واحدة.

كان رجلًا نحيفًا، طويل الأطراف، يجلس بين سعف النخيل كأنه جزء منها. عيناه حادتان، تلمعان بذكاء صياد، ويداه تمسكان حبلًا طويلًا يتدلّى نحو الأرض.

قفز الرجل من فوق النخلة بخفة مدهشة، كأن الهواء هو من حمله. هبط على الرمال بلا صوت يُذكر، وتقدّم نحو سولان، وأشار بإصبعه إلى الأغصان تحت قدمه.

«هذا فخّ حارق… عبوة نار.

لو ضغطت أكثر، لانفجرت تحتك.»

اتسعت عينا سولان، وحاول أن يسحب قدمه، فقال الرجل بحدة خفيفة:

«لم أقل لك تتحرك بعد.»

انحنى الرجل، التقط حجرًا صغيرًا، ربطه بطرف الحبل، ثم ألقاه بحذر فوق الأغصان. ابتعد خطوة، شدّ الحبل…

وانفجرت الأرض.

لهيب مفاجئ اندفع من تحت الرمال، نار قصيرة لكنها عنيفة، زئيرها كوحش صغير استيقظ غاضبًا. تراجع الجميع غريزيًا.

قال نِبالْيان وهو يراقب بذهول:

«هذه ليست نارًا عادية…»

ابتسم الرجل بثقة:

«زيت الجبل وصمغ الأشجار.

بدائية، نعم… لكنها تقتل.»

تقدّم نَجّار خطوة:

«من أنت؟»

نفض الرجل الرماد عن يديه وقال:

«كارِم. صياد… وصانع كمائن.

أعيش هنا وحدي منذ سنين.

صرخت لأنني لا أحب أن يموت الغرباء قبل أن أعرف من هم.»

حين أخبره نَجّار أنهم متجهون إلى سبأ، مال كارِم رأسه مبتسمًا:

«طريق سبأ طويل… وخطير.

وهذا الفخ الذي أنقذتكم منه واحد من عشرات.»

نظر طويلًا إلى أرام.

نظرة رجل يرى أكثر مما يُقال.

ثم قال:

«أرافقكم… إن كنتم تعرفون كيف تتجنبون النار.»

وهكذا صاروا خمسة.

 

بعد أيام من السير، ظهرت قرية صغيرة في قلب السهل.

بيوت من طين وقش، شوارع ضيقة، أطفال يركضون كأنهم الريح.

بدت آمنة… أكثر من اللازم.

في المساء، شعر أرام بأن شيئًا غير صحيح.

الوزن تغيّر.

الأمتعة أخف.

كان نِبالْيان أول من انتبه:

«جراب سهامي… اختفى.»

ثم قال سولان وهو يفتش نفسه:

«وحبل الصيد… كان معي صباحًا.»

نظر أرام حوله، وتوقفت عيناه عند فتاة صغيرة تقف عند طرف الزحام.

عيناها لامعتان، حركتها خفيفة، تراقبهم بلا خوف.

في الليل… خرجت من الظل.

ألقت الجراب والحبل أمامهم، وقالت بجرأة أكبر من عمرها:

«خذوها… وخذوني معكم.»

تفاجأوا.

قال نَجّار:

«لماذا؟»

أجابت بلا تردد:

«أراكم مختلفين.

وأعرف أن هذا الرجل» وأشارت إلى أرام ..

«ليس خادمًا.»

توتر الجوّ.

ضحك كارِم:

«تسرقيننا… وتريدين الانضمام؟»

قالت بثقة:

«اسمي سِهام.

أنا أسرق ما أريد، نعم…

لكن هذه المرة أريد الرحيل.

ولديّ ما يهمّكم.»

ثم أضافت بصوت أخفض:

«هناك رجل يراقبكم منذ الصباح.

ليس من أهل القرية.»

لم يحتج أرام إلى أكثر من نظرة واحدة لـ نَجّار.

البقاء هنا خطأ.

بعد ثلاثة أيام فقط، رحلوا.

خمسة رجال… وفتاة.

نَجّار في المقدمة،

أرام خلفه،

نِبالْيان يقرأ الأرض،

سولان يقرأ الصخور،

كارِم يقرأ السماء،

وسِهام…

تقرأ الجميع.

ومع اقترابهم من حدود سبأ،

لم تعد الرحلة مسيرًا.

بل بداية جيشٍ

وُلد من الظلال.

More Chapters