Cherreads

Chapter 19 - الرمال التي تبتلع الخطوات

حين اختفت العلامات… بدأت الصحراء تختبر من يستحق العبور)

مع ابتعاد القافلة عن آخر نقطةٍ تسكنها البشر، بدأت الصحراء الشرقية تكشف وجهها الحقيقي. لم تعد أرضًا ساكنة تُقاس بالمسافات، بل كائنًا حيًّا يتنفس، يراقب، ويبدّل قوانينه كل ساعة. الرياح تغيّر اتجاهها بلا إنذار، والكثبان تتحرك كأنها أمواج بحرٍ أصفر لا يُرى له شاطئ.

اشتدّ العطش.

كان الطعام موجودًا، لكن الماء—ذلك الذهب الصامت—بدأ ينفد. ولأول مرة منذ انطلاق الرحلة، رأى أرام القلق واضحًا على الوجوه؛ لا في العيون وحدها، بل في الصمت الذي صار أثقل من الكلام.

كان أورغس يسير غالب الوقت دون حديث. يراقب السماء أكثر مما يراقب الأرض، يلمس الرمل بأطراف أصابعه، يشمّ الهواء، ثم يُغمض عينيه كمن يصغي لشيء لا يسمعه سواه. وفي إحدى الليالي، جمع الرجال حول نارٍ خافتة وقال بصوته الواثق الذي لا يخرج إلا حين يتأكد:

“من الآن فصاعدًا… كل رجل يشرب نصف ما كان يشرب.

لن نجد ماءً قبل أربع ليالٍ على الأقل.”

كان القرار قاسيًا، لكنه لم يُقابل باعتراض. فالجميع يعرف أن أورغس لا ينطق إلا بما يعرف.

 

في اليوم التالي، ضربت الشمس الرؤوس بقسوة لا ترحم. سارت القافلة ببطء، تلتف حول الكثبان كما يلتف الجريح حول ألمه. كان بارق يحلّق عاليًا، يطلق صرخات قصيرة متقطعة، كأنها إنذارات تُلقى من السماء.

تقدّم سولان من أرام وهمس:

“بارق يرى حركة في الكثبان البعيدة… شيء يتحرك مع الرياح، وليس ريحًا.”

توقّف أورغس فجأة، انحنى، أخذ قبضة من الرمل وأسقطها ببطء بين أصابعه. اتسعت عيناه وقال:

“هناك كمين أمامنا.

الرمل هنا… ممسوس.”

سأله أرام بهدوء:

“كيف عرفت؟”

ردّ سولان:

“الرمل يتحرك كأنه يتنفس.”

تصاعد التوتر.

رأى نباليان أن الاستمرار في الطريق المعتاد هو الأضمن، بينما أصرّ سامر على الالتفاف، فالصحراء—كما يعرفها فرسان الخيل—تقتل من يثق بخطّ مستقيم. احتدم النقاش، حتى قال أرام بصوتٍ حاسم قطع الجدل:

“سننقسم.”

كان قرارًا ذكيًا… وخطيرًا.

أرام، أورغس، سولان، ريحان، وسِهام يلتفون حول الكثبان لمسافة طويلة.نجّار، سامر، قيدان، تافار، وبعض الرجال يتابعون الطريق المعتاد.أرام، أورغس، سولان، ريحان، وسِهام ، يلتفون حول الكثبان لمسافة طويلة.

وقبل الافتراق، نظر أرام في عيني نجّار وقال:

“لا تتقدم بسرعة… أشعر أن شيئًا يراقبنا.”

ابتسم نجّار ابتسامة متعبة، لكنها ثابتة:

“سأعود إليك… مهما كان الطريق.”

 

لم تمضِ ساعات قليلة بعد الانفصال حتى بدأ الخطر يتكشّف.

عند اقتراب فريق نجّار من منخفض رمليّ، خرج رجال ملثمون من خلف الكثبان، سريعون كالسكاكين. وفوق صخرة عالية، ظهر ظلّ رجلٍ أسود ثابت… كأنه جزء من الجبل نفسه.

هو ذاته الذي ظهر في الخان،

وظهر في قرية هَوْدَر،

وظلّ يتبع القافلة منذ البداية.

صرخ أحد الرجال:

“إنه هو! الرجل المجهول!”

اندفع المهاجمون. اشتبكت السيوف، انطلقت السهام، وارتفع الغبار حتى حجب السماء. لكن القتال لم يكن الغاية… بل كان دفعهم خطوة بعد خطوة نحو المصيدة.

قال تافار وهو يتراجع:

“الأرض… تتحرك!”

لم تكد كلماته تسقط حتى انشقّ الرمل تحت أقدامهم كفم وحشٍ صامت.

“رمال متحركة!” صرخ أحدهم.

غرقت الأرجل حتى الركبتين، ثم الخصر.

رفع الرجل الغامض يده إشارة، فانسحب جزء من المهاجمين بسرعة، متجهين نحو المسار الذي سلكه أرام. وبقي آخرون يضحكون قرب الحافة، يراقبون الغرق ببرود.

“لن يخرج أحد من هنا…”

“الصحراء ستبتلعهم…”

كانت الجمال مصادرة، والموت يقترب ببطءٍ لذيذٍ للجلاد.

ثبت نجّار صوته:

“لا تتحركوا… ربما نرى معجزة.”

 

وفي اللحظة التي بلغ فيها اليأس حده…

دوّى صفير سهمٍ طويلٍ حادّ، شقّ الهواء كصرخة.

سقط أحد المهاجمين بلا صوت.

ثم ظهر سامر من خلف كثيب، يركض كالإعصار.

ومن الجهة الأخرى، انقضّ سولان، بينما أطلق ريحان حفنة من رمل التشويش في الوجوه. تبع ذلك سهمان متتاليان من نباليان أسقطا آخرين.

وأخيرًا…

ظهر أرام.

لم يركض.

تقدّم فوق الرمال بخفة من يعرف الأرض حين تغدر. وبضربة واحدة أنهى آخر من وقف أمام نجّار.

قال أرام بصوتٍ غاضبٍ ثابت:

“لن تموتوا في الرمال… ليس اليوم.”

أُلقيت الحبال. ثُبّتت على الصخور.

سحبوا الرجال واحدًا تلو الآخر.

نجّار حتى صدره، تافار حتى عنقه، وقيدان كان أبعد قليلًا…

ابتلعت الرمال قيدان قبل أن يصل إليه الحبل.

ساد صمت ثقيل.

لم يصرخ أحد.

لكن سامر لم يحتمل. ركع عند حافة المكان، ضمّ حصان قيدان وبكى. قال بصوتٍ مكسور:

“الصحراء أحبّته كما أحببته… الصحراء أخذته.”

والصحراء… لا تُعيد ما تأخذه.

رفع أرام نظره نحو القمة التي كان يقف عليها الرجل الغامض.

لم يكن هناك أحد.

قال نجّار وهو يلهث:

“إنه يراقبنا… يعرف كل خطوة.”

أجاب أرام بصوتٍ منخفض:

“ومن يلاحقنا… بدأ يُظهر أنيابه.”

لمس أورغس الرمال وقال:

“هذه لم تتحرك وحدها.

أحدهم يعرف الصحراء… وربما يعرف سبأ أكثر منا.”

وقف أرام أمام القافلة، وقال:

“لن نتوقف هنا.

هذه الصحراء تريدنا أن نستسلم…

لكننا لن نعطيها ما تريد.”

تحرّكت القافلة من جديد.

والرمال خلفهم أغلقت فمها…

كأنها لم تبتلع روحًا قبل دقائق.

More Chapters