كانت الإمبراطورية تعيش عصر قوة وازدهار، وفي قلب هذا الازدهار كان يقف ولي العهد؛ رين طفل في الثامنة من عمره، قوي، محبوب، شعره رمادي بارد تتخلله لمسة أرجوانية خفيفة ينسدل حول وجهه، ويمنحه مظهرا مميزا يليق بولي عهد يحمل هيبة تفوق عمره. ويمتلك شجاعة تفوق عمره بكثير.
كان يتدرّب بالسيف يومياً، وترافقه دائماً أخته الكبرى سيرا— شعرها طويل ومتموّج، بلون ارجواني مائل للرمادي فتاة عنيدة، تحب القتال أكثر من الدمى، وتعتبر أخاها نصفها الآخر.
هذان الطفلان كانا أبناء الإمبراطور والإمبراطورة الشرعيين، ورمزي القوة القادمة للإمبراطورية.
لكن بعيداً عن القصر، في أحد أحياء الفقراء، كان هناك طفل آخر…هارو
شعره وردي فاتح، ناعم ومتدل بخفة حول وجهه وعينه خضراء زاهية
طفل لا يعرف أحد أنه يحمل الدم الإمبراطوري نفسه .
قبل سنوات، ارتكب الإمبراطور خطأً واحداً في شبابه—علاقة سرية مع امرأة بسيطة من عامة الشعب.
لم يكن يعلم أنها حملت منه، ولم تكن هي تجرؤ على الاقتراب من القصر.
وعندما وُلد الطفل، ماتت الأم فجأة بسبب المرض، وتركته وحيداً.
بعد موتها، عثرت امرأة عجوز من الجيران على رسالة مخبّأة بين أغراض الأم.
كانت الرسالة اعترافاً كاملاً:
"إن حدث لي شيء… أخبروا الإمبراطور أن هذا الطفل ابنه."
الرسالة وصلت إلى القصر بالصدفة بعد سنوات، وبعد التحقيق، اكتشف الإمبراطور الحقيقة.
شعر بالذنب، وأمر بإحضار الطفل فوراً… مهما كانت العواقب السياسية.
دخل الطفل الصغير القصر بخجل، ينظر حوله بدهشة.
كبر وهو يسمع قصصاً عن ولي العهد الشجاع، الأمير الذي يحبه الجميع، الذي يقاتل بالسيف وهو في الثامنة.
كان معجباً به دون أن يعرف أنه أخوه.
وعندما وقف في ساحة القصر لأول مرة، كان قلبه يخفق…
هل سيشبه أخاه؟
هل سيكرهه؟
هل سيقبله؟
الأميرة تصل أولاً
اقتربت منه بخطوات سريعة، حدّقت فيه من رأسه إلى قدميه، ثم قالت بنبرة طفولية صريحة:
"أنت أخي؟! أنت أصغر من أن تكون أمير… تشبه قطعة خبز!"
الأمير الصغير احمرّ وجهه، ورفع رأسه بشجاعة طفولية:
"أنا لستُ قطعة خبز… أيّتها المدفعية!"
توقفت الأميرة، رمشت مرتين، ثم قالت وهي تقترب منه:
"ماذا قلت؟ مدفعية؟! هل تشبهني بسلاح؟!"
ثم ظهر ولي العهد
دخل بخطوات هادئة، ونظر إلى الطفل الصغير الذي يشبهه أكثر مما توقع.
اقترب منه، وضع يده على كتفه، وقال بابتسامة خفيفة:
"لا عليك يا صغير… قطعة الخبز تكبر وتصبح أقوى."
الأمير الصغير نظر إليه بانبهار…
بينما الأميرة عبست بغيرة طفيفة:
"لماذا تبتسم له هكذا؟!
ضحك ولي العهد بخفة، أما الأمير الأصغر فشعر لأول مرة أن هذا المكان…
قد يكون بيته.
.
في الجهة الأخرى من العاصمة، كانت هناك فتاة صغيرة هيري تمتلك شعرًا فضيا قصير وناعم ينسدل حول وجهها بطريقة أنيقة.
عيناها بلون بنفسجي لامع. تعيش حياة هادئة مع والديها.
كان والدها دوقاً محترماً، ووالدتها سيدة رقيقة يحبها الجميع.
الفتاة كانت مدلّلة، محبوبة، وتعيش في كنف عائلة مترابطة.
في ذلك اليوم، كانت العائلة في طريقها إلى حفلة رسمية في القصر.
ركبت الفتاة العربة بين والديها، تضحك وتثرثر بحماس طفولي…
لكن الطريق لم يكن كما توقّعوا.
بينما كانت العربة تعبر الجسر، انزلقت الخيول بسبب الأمطار، واصطدمت بالحاجز الخشبي.
صرخ السائق، وارتجّت العربة بعنف… ثم انقلبت.
عندما وصل الناس، كان المشهد مأساوياً.
الوالدان فارقا الحياة فوراً، ولم تبقَ إلا الفتاة الصغيرة، تبكي وسط الحطام، مغطاة بالتراب والدموع.
في جنازة الدوق والدوقة، وقف الأقارب يتناقشون بصوت منخفض:
"الفتاة صغيرة جداً… لا يمكنها إدارة أملاك العائلة."
"عمّها هو الوريث المؤقت… سيصبح الدوق حتى تبلغ السن القانوني."
وبالفعل، أصبح عمّها الدوق الجديد.
وكان لديه ابنة في الثامنة من عمرها ماي—فتاة هادئة، لطيفة شعرها أسود طويل، ناعم وينسدل بانسيابية على كتفيها وظهرها. عيناها بنفسجية لامعة، نظرتها ثابتة وقوية وكأنها تخفي خلفها ذكاء وثقة عالية.
بعد انتهاء الجنازة، جلست الفتاة هيري وحدها في الحديقة، تبكي بصمت.
كانت تشعر بالضياع… كل شيء تغيّر في يوم واحد.
اقتربت منها ماي بخطوات خفيفة، تحمل منديلًا صغيراً.
وقفت أمامها، ثم مدّت المنديل لها بخجل:
"أبي يقول… إن البكاء لا يعني أنك ضعيفة."
رفعت هيري رأسها ببطء، نظرت إليها بعينين محمرّتين.
أخذت المنديل، ومسحت دموعها.
"أنتِ… ابنة عمي؟"
هزّت الفتاة الصغيرة رأسها بابتسامة خفيفة:
"نعم… وإذا أردتِ، أستطيع الجلوس معك. لا احب أن ارى أحد وحيداً."
ترددت هيري للحظة، ثم أفسحت لها مكاناً بجانبها.
جلستا بصمت، لكن الصمت كان دافئاً…
يشبه بداية صداقة، أو ربما بداية عائلة جديدة.
ومن تلك اللحظة، بدأ بينهما رابط خفيف…
رابط سيكبر مع الأيام، ويصبح أقوى مما تتوقعان.
في ساحة التدريب الخلفية للقصر، كان ولي العهد رين يقف بثبات، يرفع سيفه الخشبي ويؤدي حركات دقيقة تعلمها من معلمه.
إلى جانبه كانت الأميرة سيرا، تلوّح بسيفها بحماس زائد، تضرب الهواء وكأنها تواجه جيشاً كاملاً.
ضحك ولي العهد رين وقال لها:
"هكذا ستكسرين ظهرك قبل أن تهزمي أحداً."
رفعت الأميرة سيرا أنفها بفخر:
"على الأقل أتحرك! أنت تتحرك كأنك شيخ كبير."
وبينما كانا يتجادلان، كان الأمير الصغير هارو يقف على مسافة، يراقبهما بعينين لامعتين.
كان يريد أن يجرب… يريد أن يكون مثلهم، مثل أخيه الذي طالما سمع عنه.
لاحظ ولي العهد نظراته، فاقترب منه بابتسامة هادئة:
"تريد أن تجرب؟"
تردد الأمير الصغير، ثم هز رأسه بخجل.
ناولَه ولي العهد سيفاً خشبياً صغيراً يناسب حجمه:
"جرب… لا تخف."
أمسك الأمير الصغير السيف بكلتا يديه، ثم حاول تقليد حركة أخيه.
رفع السيف، دار بجسده، ثم ضرب الهواء بخط مستقيم.
توقفت الأميرة عن التدريب، حدّقت فيه، ثم انفجرت ضاحكة:
"أنت تقلدني؟! ليست هكذا الحركة… هكذا!"
وأدت حركة مبالغ فيها جعلت الاثنين يضحكان.
الأمير الصغير احمرّ وجهه، لكنه حاول مرة أخرى.
هذه المرة، أمسك ولي العهد يده من الخلف، ووجّهه بلطف:
"لا تستعجل… ركّز على توازنك أولاً."
رفع الأمير الصغير السيف مرة أخرى، وقلّد حركة أخيه بدقة أكبر.
ابتسم ولي العهد بفخر:
"أحسنت… يبدو أن قطعة الخبز بدأت تتعلم."
الأميرة عبست:
"أنا قلتها أول! لماذا تمدحه أنت؟!"
ضحك الاثنان، بينما الأميرة وقفت تلوّح بسيفها بعناد، تحاول أن تبدو الأفضل.
وفي تلك اللحظة…
بدأت أول خيوط الأخوّة الحقيقية تُنسج بينهم
---
مرّت الأيام، وكبر حبّ الأمراء لأخيهم الأصغر.
لكن الأميرة كانت ما تزال تشعر بغيرة طفولية كلما رأت ولي العهد يهتم به.
كان عمر ولي العهد تسع سنوات، الأميرة سبع، والأمير الأصغر ست سنوات.
كانوا يتدربون في ساحة القصر، يضحكون ويتنافسون.
الأمير الأصغر يقلّد حركات أخيه، والأميرة تغيظهما كالعادة.
---
في ذلك اليوم، جاء الدوق—عم الفتاة اليتيمة—للقصر لمقابلة الإمبراطور.
ترك ابنته ذات الثمانية أعوام تنتظر في حديقة القصر.
كانت الفتاة تقطف الأزهار بهدوء، شعرها يتطاير مع النسيم، وملامحها بريئة رغم الحزن الذي يسكن عينيها.
من بعيد…
كان ولي العهد يراقبها دون أن تشعر.
شعر بشيء غريب في صدره، إحساس لم يعرفه من قبل.
قال لنفسه:
"ما الذي يحدث لي…؟"
ثم استدار بسرعة ليعود إلى التدريب مع أخوته، وكأنه يخاف من هذا الشعور الجديد.
---
بعد أيام، ذهب الأمراء الثلاثة إلى المهرجان.
كانوا يركضون بين الأكشاك، يشترون الحلوى، ويضحكون.
توقف ولي العهد أمام كشك يبيع دبابيس الشعر.
أمسك دبوساً جميلاً، وتخيل للحظة كيف سيبدو على شعر تلك الفتاة التي رآها في الحديقة.
لاحظت الأميرة نظراته وقالت وهي تبتسم بخبث:
"أخي… هل تحب أحداً؟"
احمرّ وجهه
، بينما الأمير الأصغر لاحظ اهتمامه بالدبوس.
فقال في نفسه:
"سأشتريه له في يوم ميلاده… ليعطيه لمن يحب."
---
بعد أيام، ذهب ولي العهد إلى الأكاديمية الملكية.
الأميرة والأمير الأصغر لم يُسمح لهما بالدخول لصغر سنهما…
لكن الفضول كان أقوى منهما.
تسللا إلى عربة ولي العهد واختبآ بين الأمتعة.
وعندما وصلت العربة، خرجا وسط الزحام… وضاعا.
بدأا يبحثان عن أخيهما في الممرات الواسعة.
---
بينما كان الأمير الأصغر يمشي، رأى دبوس شعر على الأرض—يشبه تماماً الذي أعجب أخاه في المهرجان.
انحنى ليلتقطه
وفي اللحظة التي أمسك فيها بالدبوس، ظهرت فتاة صغيرة أمامه—هي نفسها هيري، ابنة الدوق الراحل.
كانت تحمل سيفاً خشبياً صغيراً، ربما للتدريب.
قالت بحدة طفولية:
"هذا لي!"
رفع الأمير الأصغر رأسه، ونظر إليها بثقة:
"إذا كان لك… فلتأخذيه. لكن… ما رأيك أن نبارز عليه؟"
رفعت حاجبها:
"مبارزة؟ بالسيوف الخشبية؟"
ابتسم:
"نعم. إذا فزتِ… خذيه. وإذا فزتُ أنا… آخذه."
وقفت بثبات، أمسكت سيفها الخشبي، وقالت:
"اتفقنا."
وتجهزا للمبارزة الصغيرة وسط ساحة الأكاديمية…
دون أن يعرفا أن هذه اللحظة ستكون بداية علاقة معقدة بينهما.
عندما بدأ الأطفال يتجمعون حول ساحة المبارزة في الأكاديمية، كان الأمير الأصغر يرتدي الوشاح الملكي الصغير الذي يضعه عادة أبناء العائلة الإمبراطورية عند خروجهم من القصر.
هو نسي أنه يرتديه…
لكن الطلاب لم ينسوا.
علامات تفضحه:
1. الوشاح الملكي بلونه المميز الذي لا يملكه إلا أبناء الإمبراطور.
2. الختم الذهبي الصغير على طرف الوشاح، يحمل شعار العائلة الإمبراطورية.
وبمجرد أن بدأ الطلاب يتهامسون:
"هذا… هذا أمير! "
انتشرت الشائعة أسرع من النار في الهشيم.
---
انتشار الشائعات
قبل أن تبدأ المبارزة، كان الطلاب يتهامسون:
"انظروا! الطفل الصغير يرتدي وشاح العائلة الإمبراطورية!"
"هل هو أمير؟!"
وبدأت الدائرة تكبر حولهما.
الأميرة سيرا همست بغضب لأخيها هارو:
"أنت مجنون؟! ستفضحنا! كلهم عرفوا أنك أمير!"
لكن الأمير الأصغر شدّ على سيفه وقال بإصرار:
"هذا الدبوس الذي يريده أخي… لن أتركه."
رفعت الفتاة سيفها بثقة:
"لن أخسر أمامك."
ابتسم هارو:
"سنرى."
بدأت المبارزة…
هيري تهاجم بسرعة، لكنها غير دقيقة.
الأمير الأصغر هارو يراقب… ينتظر اللحظة المناسبة.
ثم—بحركة واحدة—أبعد سيفها الخشبي.
سقط على الأرض.
الطلاب صرخوا:
"الأمير فاز!"
اقترب الأمير الأصغر منها:
"لقد فزت… أعطيني الدبوس."
لكن هيري احمرّ وجهها من الغضب والإحراج:
"لن أعطيك إياه! أختي هي من أعطتني هذا!"
رفع حاجبه:
"إذا كنتِ لن تعطيني… لماذا وافقتِ على المبارزة؟"
قبل أن ترد، ظهرت الأميرة بخطوات غاضبة:
"كيف تتجرئين على خداع أخي؟!"
هيري ارتبكت…
ولأول مرة شعرت أن أحداً يعاملها بجدية، لا كطفلة مدللة.
---
بعد انتهاء المبارزة، كانت الفتاة اليتيمة تقف غاضبة، تمسك بالدبوس بقوة، ووجهها محمر من الإحراج.
الأمير الأصغر ينتظر منها أن تفي بوعدها…
والأميرة تقف خلفه، غاضبة ومستعدة للدفاع عن أخيها.
وفجأة…
ظهرت فتاة أكبر سناً، تمشي بخطوات هادئة ورزينة.
كانت في الثامنة من عمرها، لكنها تحمل وقاراً لا يشبه عمرها.
هي ماي… وهي نفسها الفتاة التي أعجب بها ولي العهد في حديقة القصر.
وقفت أمام أختها الصغيرة وقالت بنبرة هادئة لكنها حازمة:
"الوعود… يا أختي. أعطيه الدبوس."
هيري عضّت شفتها، تنظر للأرض.
كانت تعرف أن أختها لا تكذب… وأنها لا تقبل الظلم أو الخداع.
مدّت يدها ببطء، وقدّمت الدبوس للأمير الأصغر.
---
في تلك اللحظة، سمع ولي العهد الشائعات التي انتشرت في الأكاديمية:
"أمير صغير يتبارز!"
"إنه يشبه ولي العهد!"
"أخوه هنا أيضاً!"
ركض إلى الساحة، وعندما وصل…
رأى أخاه الأصغر واقفاً وسط الطلاب، والأميرة بجانبه، والفتاة أمامهما.
تجمّد للحظة.
وجهه كان بلا مشاعر… نظرة لم يرها أخوته من قبل.
الأمير الأصغر هارو ابتلع ريقه.
الأميرة سيرا ارتبكت.
كلاهما شعر أنهما في ورطة كبيرة.
اقترب ولي العهد بخطوات بطيئة، ثم قال بصوت منخفض لكنه قوي:
"هيا… لنعود إلى القصر."
لم يصرخ، لم يغضب…
لكن صوته وحده كان كافياً ليجعل الاثنين ينحنون رؤوسهم بخجل.
استدار ليغادر، وأخوته يمشون خلفه بصمت.
---
وقبل أن يبتعد تماماً…
التفت ولي العهد بغير قصد، فرأى الفتاة الأكبر—أخت اليتيمة—تقف هناك، تحمل أختها الصغيرة من يدها.
كانت تنظر إليه بهدوء…
وعندما التقت عيناها بعينيه، شعر بنفس الشعور الغريب الذي شعر به في الحديقة.
قال في نفسه:
"إنها هي… الفتاة من الحديقة."
ثم أسرع بخطواته ليلحق بأخوته، وكأنه يخشى أن يكتشف أحد ما يشعر به.
---
كانت العربة تقترب من بوابة القصر، والأمراء الثلاثة يجلسون بصمت ثقيل.
الأمير الأصغر كان يمسك بالدبوس الذي فاز به، يحاول أن يخفي ابتسامته الصغيرة…
لكن قلبه كان قلقاً من نظرة أخيه الأكبر.
وفجأة…
اهتزت العربة قليلاً، وسقط الدبوس من يد الأمير هاور إلى الطريق.
صرخت الأميرة سيرا :
"الدبوس!"
وقبل أن تتوقف العربة…
قفز الأمير الأصغر هارو من مكانه، واندفع خارج العربة ليحصل عليه.
صرخ ولي العهد بصوت لم يسمعاه من قبل:
"توقّف!!"
قفز خلفه فوراً، أمسكه من ذراعه بقوة، وسحبه بعيداً عن عجلات العربة التي كادت تدهسه.
وقف ولي العهد رين أمامه، وجهه شاحب، وصوته يرتجف من شدّة الخوف… لكنه خرج غاضباً:
"هل فقدت عقلك؟! تخاطر بحياتك لأجل دبوس؟!"
الأمير الأصغر هارو تجمّد…
لم يسمع أخاه يصرخ عليه هكذا في حياته.
حاول أن يشرح:
"لكن… أنت أردته…"
قاطعَه ولي العهد رين بصوت حاد:
"لا يهمني الدبوس! حياتك أهم من كل شيء!"
"أنت لا تفكر! أنت طفل متهور! هل تريد أن تموت؟!"
الأمير الأصغر هارو اتسعت عيناه…
هذه أول مرة يسمع أخاه يقول له شيئاً مؤذياً.
---
لم يكن غضبه بسبب الدبوس فقط…
بل بسبب تسللهم للأكاديمية.
التفت إليهما وقال بصوت غاضب مليء بالخوف:
"تتسللون للأكاديمية؟! هل تعرفون كم من المغتالين حاولوا قتلنا قبل أشهر؟!"
اقترب خطوة، وصوته ينخفض لكنه يصبح أخطر:
"أنا كنت أسبقهم دائماً… كنت أصل قبل أن يصلوا إليكم… وأنتم الآن تضعون أنفسكم في الخطر وحدكم؟!"
كانت هذه الحقيقة صادمة للأميرين الصغيرين…
لم يعرفا أن أخاهما كان يحميهما من الظل طوال الوقت.
---
امتلأت عينا الأمير الأصغر بالدموع.
لم يتحمل رؤية أخيه غاضباً منه… ولا سماع تلك الكلمات.
قال بصوت مكسور:
"أنا… آسف… لم أقصد…"
ثم ركض مبتعداً، هارباً إلى داخل القصر، لا يريد أن يراه أحد وهو يبكي.
---
وقفت الأميرة أمام أخيها الأكبر، ودموعها تلمع:
"لماذا تصرخ عليه هكذا؟! إنه خاف عليك! هو فقط أراد أن يسعدك!"
لكن ولي العهد كان ما يزال تحت تأثير الخوف، فالتفت إليها وقال بحدة:
"وأنتِ! لماذا لم تمسكي به؟! لماذا تركته يقفز؟!"
تجمدت الأميرة…
ثم امتلأت عيناها بالدموع هي أيضاً.
"أنت قاسٍ… قاسٍ جداً!"
وبكت… ثم ركضت خلف أخيها الأصغر.
---
وقف ولي العهد عند بوابة القصر، يده ترتجف قليلاً.
لم يكن غاضباً…
كان خائفاً.
قال لنفسه بصوت منخفض:
"أنا فقط… لا أريد أن أفقد أحداً منهم."
ثم أغلق عينيه، محاولاً استعادة هدوئه، وهو يفكر كيف سيصلح ما حدث.
---
بعد أن هدأ الجو قليلاً، التقط الأمير الأكبر الدبوس من الأرض عند بوابة القصر.
نظر إليه للحظة، ثم قال لنفسه:
"هذا ليس لنا… يجب أن أُعيده لصاحبته."
خرج من القصر واتجه نحو الحديقة الجانبية حيث رأى الفتاة اليتيمة وأختها آخر مرة.
---
قبل أن يصل إليهما، سمع صوت الفتاة الصغيره هيري تبكي وهي تقول:
"لم أقصد أن أراهن على الدبوس الذي أهديتِهِ لي… لم أقصد أن أخسره…"
لكن ماي—الفتاة التي أعجب بها الأمير الأكبر—ردّت عليها بصوت حزين، وليس قاسياً:
"أنا لا ألومك… لكنني حزنت فقط.
هذا الدبوس أعطيتك إياه من قلبي… ولم أتوقع أن تراهنِي عليه."
كانت نبرة صوتها مكسورة…
واضح أنها ليست غاضبة من أختها، بل مصدومة لأنها فقدت شيئاً عزيزاً عليها.
الفتاة الصغيرة هيري انكمشت مكانها، ودموعها تنزل بصمت.
كانت تشعر بالذنب… وتشعر أنها خيّبت أختها التي تحبها أكثر من أي شيء.
---
رفعت الفتاة الصغيرة هيري رأسها، ورأت ولي العهد رين واقفاً خلف الشجرة، ممسكاً بالدبوس.
مسحت دموعها بسرعة وقالت بصوت مرتجف:
"أنت…"
رفع رين إصبعه نحو فمها:
"شش… لا ترفعي صوتك."
لم يرد أن تراها أختها….
تقدّم خطوة، ومدّ يده بالدبوس:
"هذا دبوسك… أخي لم يعد يريده."
كانت نبرة صوته لطيفة، هادئة، وكأنه يحاول أن يخفف عنها.
الفتاة الصغيرة أخذت الدبوس بيد مرتجفة، ودموعها ما زالت على خدّيها.
---
التفتت الأخت الأكبر ماي أخيراً، ورأت رين واقفاً هناك.
بدت عليها الدهشة… ثم الخجل لأنها أدركت أنه ربما سمع جزءاً من حديثهما.
لكن قبل أن تقول شيئاً…
خفض رين رأسه احتراماً، ثم استدار وغادر بخطوات هادئة.
أما الفتاة الصغيرة هيري…
فبمجرد أن اختفى من نظرها، أجهشت بالبكاء من جديد.
لم تبكِ بسبب الدبوس…
بل لأنها شعرت أنها جرحت أختها التي تحبها.
---
بعد حادثة الأكاديمية، وبعد ما صرخ الأمير الأكبر على أخوته…
تغيّر تماماً.
في اليوم التالي، ركض الأمير الأصغر نحو أخيه الأكبر وهو يبتسم:
"أخي! نلعب بالسيوف؟"
لكن الأمير الأكبر لم ينظر إليه حتى، فقط قال ببرود:
"لا."
تجمّد الأمير الأصغر.
لم يسمع هذه النبرة من قبل.
جاءت الأميرة وقالت:
"طيب… نلعب في الحديقة؟"
ردّ الأمير الأكبر وهو يبتعد:
"قلت لا. اذهبوا وحدكم."
تبادلا النظرات بدهشة…
هذه أول مرة يصدّهما فيها.
---
في الأيام التالية، كلما حاولوا الاقتراب منه…
كان يبتعد.
إذا جلسوا معه على الطاولة… غادر.
إذا حاولوا التحدث معه… تجاهلهم.
إذا ضحكوا… لم يبتسم.
الأميرة قالت بحزن:
"هل… لم يعد يحبنا؟"
والأمير الأصغر كان يراقب أخاه من بعيد، يشعر أن قلبه ينكسر.
لكن الحقيقة؟
الأمير الأكبر لم يكن يكرههم…
كان يخاف أن يجرحهم مرة أخرى، أو يصرخ عليهم، أو يفقد السيطرة مثل آخر مرة.
فقرر أن يبتعد…
ظنّاً منه أن هذا يحميهم.
---
الموقف الأول
بينما كانت الأميرة تركض في الحديقة، انزلقت قدمها على الأرض المبللة.
كانت ستسقط على الحجارة الحادة.
لكن الأمير الأكبر اندفع بسرعة، أمسكها قبل أن ترتطم بالأرض.
قالت الأميرة بصدمة:
"أخي…؟"
لكنه تركها فوراً وقال ببرود:
"كوني حذرة."
ثم ابتعد.
لكن قلبه كان ينبض بقوة…
كان خائفاً عليها.
---
الموقف الثاني
في يوم آخر، كان الأمير الأصغر يلعب قرب الدرج الطويل.
تعثر وكاد يسقط من الأعلى.
صرخ الأمير الأكبر:
"انتبه!"
قفز وأمسكه قبل أن يهوي للأسفل.
الأمير الأصغر تمسّك بقميصه وهو يرتجف:
"كنت… سأقع…"
لكن الأمير الأكبر قال بجمود:
"لا تلعب هنا."
ثم ابتعد بسرعة…
---
في تلك الليلة، وجد الأمير الأكبر أخوته جالسين وحدهم في الغرفة، صامتين.
الأميرة قالت بصوت منخفض:
"أخي… لماذا تبتعد عنا؟"
لم يرد.
الأمير الأصغر قال وهو يحاول ألا يبكي:
"هل… هل أنت غاضب منا؟"
تجمّد الأمير الأكبر.
ثم جلس أمامهما، وأخيراً قال الحقيقة:
"أنا… خفت."
نظرا إليه بدهشة.
أكمل بصوت مكسور:
"خفت أن أصرخ عليكم مرة أخرى… خفت أن أجرحكم… خفت أن أفقدكم."
اقترب الأمير الأصغر منه:
"لكننا نريدك معنا… حتى لو كنت غاضباً."
والأميرة قالت:
"نحن عائلتك… لا تبتعد."
هنا لم يستطع الأمير الأكبر تمالك نفسه.
فتح ذراعيه، وركض الاثنان نحوه، واحتضنهم بقوة.
قال وهو يضمّهما:
"أنا آسف… لن أبتعد عنكم مرة أخرى."
وبكوا الثلاثة…
لكنها كانت دموع محبة، لا خوف.
