كانت الساعة الخامسة فجراً عندما فقدت ملك الأمل فى أن تغفو ولو قليلاً فلقد كانت أفكارها التى تتضارب داخل عقلها كفيلة بجعلها لا تغمض لها عين.
حاولت أن تهرب من أفكارها كثيرا ولكن دون جدوى فبعد أن أجتهدت بعد موت والدها لتحقق حلمه فى التحاقها بكلية الطب ها هى الأن لا تستطيع شراء أدوات كليتها.
وبما أن مصدر دخلهم الوحيد هى حياكة والدتها للملابس والتى كانت مصدر دخل جيد بعد موت والدها الكارثي إلا أن والدتها أصبحت ذو نظر ضعيف وأصبحت حياكتها للملابس أبطئ فأصبح الدخل أقل.
كما أن أختها الصغرى أكتشفوا مؤخراً أنها مصابة بثقب فى القلب وتستدعى حالتها لتدخل جراحي خطير ومكلف وهم لا يمتلكون المال بالطبع.
فكيف لها أن تنام وسط هذه الأفكار التى لا تنتهى.
جلست أخيرا على فراشها ورفعت عيناها لتنظر لتلك الساعة المعلقة على الحائط والتى بالكاد ترى عقاربها بسبب الاضاءة الخافتة التى أعتادت النوم بها فهى تخاف النوم فى الظلام الدامس.
الا انها أخيرا اخذت نفسا عميق وقررت أن تبدء يومها.
خرجت من حجرتها لتعد فنجان من القهوة وتحتسيه فى هدوء، فدخلت للمطبخ البسيط لتعد فطورا لوالدتها وأختها وتضعه على مائدة الطعام ليتناولونه بعد أن يستيقظوا.
أرتدت ملابسها سريعا ونظرت نظرة سريعة لنفسها لتشعر بالرضا فلقد كانت ملابسها دوما فى منتهى الأناقة حيث أن والدتها هى من كانت تصنع لها ملابسها بذوقا رفيع.
تركت شعرها الكستنائي اللون الطويل على أكتافها وقررت اخيرا النزول من منزلها لتستطيع الوصول لأولى المحاضرات.
غادرت منزلها ومن ثم غادرت هذا الحي البسيط التى كانت تقطن به لتستقل إحدى حافلات النقل العام لتصل إلى كليتها.
كانت تنظر فى ساعة يدها كثيرا فعلى الرغم من كونها غادرت منزلها فى السادسة صباحاً الا أن الأزدحام المحيط بتلك الحافلة التى تستقلها تجعلها متاكدة تماماً أنها لن تصل فى ميعادها.
وصلت اخيرا فى الساعة الثامنة إلا عشرة دقائق لتترجل من الحافلة سريعاً، وتتحرك فى الشارع بعجلة من أمرها فتصطدم بأحدهم.
فى حقيقة الأمر لم تعر أمر اصطدامها بأحدهم أهتماماً ولكن هذا التعليق الذى سمعته جعلها تقف بأستياء تنظر لمن اصطدمت به وخاصتا أنه حاول إعاقة طريقها بعدما انتبه لجمالها.
"الي اين ذاهبة، هل يتحرك القمر على الأرض" قال جمال كلماته بغزل واضح
نظرت لتجد شاب على مايبدو عليه الأستهتار بها وأيضا الثراء فتلك الساعة التى يرتديها ترى إحدى المحاضرين لها فى الجامعة يرتدون مثلها.
بينما لاحظ هذا الشاب تعلق عيناها على ساعته ليقول بوقاحة:
" اتعجبك ساعتي يمكنني ان أهديها لكي ولكن بشرط أن تأتي معي الان الى منزلي"
أقفهر وجهها غضبا ولم تشعر بيدها وهى تصفع هذا الأحمق بقوة.
ليشعر بصدمة من تلك الصفعة التى هوت على وجهه لينظر لها بتوعد عندما انصرفت سريعا لتدخل من بوابة القصر العينى.
ليفهم أنها طالبة تدرس فى كلية الطب.
توجه لسيارته سريعاً وهو غاضب كالأطفال وقام بالأتصال الهاتفي بأحدهم.
دخلت الى كليتها وهى تشعر بأن الدموع ستتساقط من عيناها، ألم يكفى ما بها لياتى أحدهم و يتطاول عليها لفظيا بهذا السوء.
وقفت عند باب المعمل الذى من المفترض لها أن تلتحق به الأن فالساعه الثامنه وخمسة دقائق ولحسن حظها أن المحاضر الذى يقف داخل هذا المعمل الان يسمح بالتأخير لعدة دقائق بعد بدء المحاضره.
وقفت وأخذت نفسا عميقا فهى لم تستطيع شراء ادوات التشريح التى تم طلبها منها أكثر من مره
دخلت أخيراً و مر الوقت سريعاً واستعانت بأدوات زميلتها المقربة.
وقبل انتهاء المحاضرة بعدة دقائق لاحظت دخول إحدى أفراد الأمن وتوجهه للمحاضر، ليسأل عن ملك أحمد.
تحركت ملك وهى ترتدى البالطو الأبيض بتوتر لتفهم ما فى الأمر ليخبرها فرد الأمن.
" هناك استدعاء لكي من العميد"
هزت رأسها بالأيجاب وتحركت لمكانها لأخذ حقيبتها وخلعت هذا البالطو الابيض وتحركت مع فرد الأمن.
كانت تشعر بالتوتر الشديد والأفكار تتسارع داخل عقلها فلقد قامت بتسديد المصاريف السنويه إذن لما يريدها.
أنها لم تفعل شيئا وكانت متفوقه فى العامين السابقين لها فى كلية طب.
وصلت أخيرا لمكتب العميد لتجد رجلان ذو مظهر غريب يبدو عليهم انهم أجانب ويبدو أيضا أنهم أفراد حراسه لشخص من المؤكد أنه مهم.
مرت بين هؤلاء الرجال وهى تشعر بالقلق بعدما فتح فرد الأمن الذى يبدو عليه الضئالة بجانب هؤلاء الذين يقفون على باب العميد.
دخلت لتستنشق عطرا نفاذا نظرت فى بادئ الأمر لهذا الطبيب الذى يبلغ من العمر على ما يبدو عليه الخمسون من عمره نظرت لعلامات القلق التى على وجهه ثم نظرت أمامه لتجد هذا الشاب المستهتر التى صفعته بقوه صباحاً ولكن كل هذا لم يدعوها للقلق بقدر القلق الذى ساورها عندما نظرت لهذا الشاب الثلاثينى الذى يجلس بوقار واضعاً قدماً فوق الأخرى وعيناه الملونه تنظر لها بطريقه لم تفهمها.
شعرت بأنه محاط بهاله تجعل قلبها ينقبض خوفاً هل هذا شرطى مثلا هل هذا المستهتر قدم بلاغ ضدها.
عادت لتنظر لعميد الكليه واخيرا نطقت.
" صباح الخير، لما تم استدعائي؟"
"من الواضح أن هناك سوء تفاهم".
نظرت ملك بأحتقار لهذا الشاب المستهتر الذى ينظر لها بأعين مليئه بالانتصار.
" ارجوك، وضح لي ما في الامر"
" يقول استاذ فريد انك صفعتي أخوه على وجهه و قولتي ألفاظ لا تليق
نظرت لهذا الشاب بأحتقار وقالت بثقة وهدوء يتنافى مع القلق الذى ييثه هذا القابع بثقة عن يسارها
" بالفعل لقد صفعته على وجهه ولكنني لم اتفوه بأي لفظ غير لائق"
أعتدل فريد فى جلسته ونظر لها باهتمام، بينما هى لاحظت حركته ولم تعيره اى اهتمام واكملت.
" لقد صفعته لانه قال لى أن أخذ ساعته في مقابل أن أذهب معه لنقضي ليلة سويا"
واكملت بطريقة أقل سرعة وكأنها تأكد كلامها
" أنه يستحق ما ناله مني، وأن جاءت لي الفرصه لصفعته مجدداً "
عندئذ قام جمال بغضب وكاد أن يتكلم ليشير له فريد بالسكوت وهو ينظر له بضجر، ليعود ليجلس مكانه كما كان ولكن وجهه مقفهر من الغضب.
وجه العميد كلماته لفريد
"اعتقد الصورة أصبحت واضحة الأن"
وقف فريد وهو ينظر لأخيه بضجر وتكلم باختصار مبالغ به موجها كلماته للعميد
" اعتذر على سوء الفهم"
وأشار لأخيه بيده ليسبقه
تحرك بهالته بعد أن تحرك أخيه أمامها ووقف بجانبها ودون أن ينظر لها انحنى جانباً ليصبح أكثر قربا لها وقال
"أنها فرصة سعيده حقا ولكن تذكري أنني لا اضيع الفرص الرائعة"
نظرت لعيناه الذى لم يكن ينظر بهم لها وانما ينظر أمامه والتى لم تستطيع تميز لونها لتشعر بالخوف يتملك منها وخاصتا عندما رمقها بنظره سريعة قبل أن ينصرف.
هل هذا تهديد أم ماذا يقصد لا تعلم ولكنها شعرت بالهلع يتملك منها وتأكدت الان أن صوت نبضات قلبها تصل إليه.
غادر فريد المكتب بعد أن ألقى بكلماته على أذنيها وغادر معه الحرس.
ظلت واقفه عدة دقائق تحاول أن تهدء من روعها ثم نظرت للعميد الذى يبدو على وجهه الأحترام والوقار
"اعتذر يا ابنتي على هذا الموقف"
نظرت له بأمتنان
"شكراً"
وغادرت بهدوء
اما فريد فكان يسير بجانبه جمال وهو يشعر بالقلق حيال نظراته له.
وبمجرد أن ركب فريد سيارته صفع جمال بكل قوته
حتى أن أدمت شفتاه و تكلم بغضب مكتوم
" انزل من السيارة الان بدل ما قسما عظما سأقتلك"
وكانت كلمته الاخيره بصوت مرتفع زلزل به كيان جمال.
ليترجل جمال من السيارة وهو يقذف أخيه بألفاظ بذيئة بعد أن اشار فريد لقائد السيارة بالأنطلاق.
اما فريد فكان ينفس نيرانا فكيف لهذا المستهتر أن يكذب عليه وكيف له أن يعترض طريق فتاة ويتكلم معها بتلك الطريقة التى قصتها تلك الفتاه الرائعه.
ولا يعلم كيف تحول غضبه فى لحظات الى ابتسامة علت شفتاه وتذكر أول نظره لها عندما دخلت من باب مكتب العميد وهى متوترة وتحاول أن تبدو قوية و تلتف بعيناها الخضراء بين الموجودين داخل المكتب تلك الخصلات الحريرية الكستنائية اللون المنسدلة على أكتافها.
كلماتها التى حاول أن ينتبه لمعانيها لأنه كان منشغلا بصوتها الرقيق الذى يبدو أنها تحاول إخراجه بثبات.
أعجب للغاية بثقتها التى تحاول إظهارها وثباتها رغم قرائته لخوفها الذى بدا جلى عليها بمجرد أن رأته.
ابتسم لقوتها رغم تأكده من الهلع الذى تشعر به.
تذكر هذه الرائحة المنبعثة من خصلات شعرها عندما وقف بجانبها وهمس دون النظر إليها.
تلك الرائحة التى لا يستطيع أن يميزها هل هى رائحة توت برى ام ماذا؟
ولكنها رائحة تدعوه وبشدة لأن يقترب أكثر لأستنشاقها.
هز رأسه بأستياء عندما تذكر كيف سحب ذاته من تأثير تلك الرائحة المنبعثة من خصلاتها.
تذكر عيناها المتوترة قبل أن يغادر تلك العيون التى بلونها الاخضر تتناسب تماما مع لون عيناه الرمادية.
وعلى الرغم من كونه دائما يحصل على ما يريد الا أنه يشعر لا بل إنه متأكد أن الحصول عليها أن أراد لن يكون سهلاً.
بينما خرجت ملك من مكتب العميد تشعر بالتوتر والقلق.
دخلت لأستكمال محاضرتها وفى حقيقة الأمر كانت تشعر أنها مشتتة الذهن.
فقلبها مازال منقبضا ونبضه سريعاً للغايه يدق بعقلها وكأنه ينذرها أن هناك خطراً من هذا المدعو فريد.
انتهت المحاضرة وهى لا تعلم شيئا عن ما تم شرحه بها.
لتغادر بهدوء بينما اوقفتها صوت إحدى زميلاتها
" ماذا بكي"
" لاشئ لكن رجاءا سجلي كل ما سيقال في المحاضره الخدمه منكي لاحقا"
" بالتأكيد لا تقلقي"
"شكرا يا ريم"
ألقت التحية على زميلتها وغادرت عائدة لمنزلها
اخرجت تلك الأموال من حقيبتها بحرص بعد أن استقلت حافلة النقل العام فتلك الأموال القليلة من المفترض أن تكفى معها لعدة أيام.
لاتعلم ماذا ستفعل بعد أن تنتهى تلك الأموال القليلة وحالة والدتها الماديه ليست على ما يرام.
دفعت الاجرة ومن ثم استندت برأسها على زجاج النافذة الخاص بالحافلة.
رفعت عيناها للسماء وترقرقت عيونها بالدموع الم يكفى ما هى به الآن، الم يكفى مرض أختها حتى يظهر هذا المتعجرف واخيه الذى على ما يبدو يهددها.
وقفت الحافلة لتترجل منها وتدخل هذا الحى البسيط التى تقطن به.
دخلت لمنزلها ورغم كل شئ إلا أنها تشعر بالراحة النفسية الشديدة فأبتسامة امل والدتها وضحكات اختها مريم تملئ أركان المنزل البسيط سعادة.
نظرت أمل لها وهى مبتسمة بينما مريم مازالت تضحك بعد أن ألقت بإحدى نكاتها على والدتها.
" افتقدتك طوال اليوم عزيزتي لما تاخرتي اليوم؟"
" لقد اتيت في ميعادي ككل يوم يا امي"
" حسنا حبيبتي لقد جهزت لك اليوم طعامك المفضل"
فى حقيقة الأمر هى تشعر بفقدان شهيتها ولكنها تقول ما قالته لامل حتى لا تتسبب لها فى الضيق.
وقفت أمام المرأة لتلاحظ أنها فقدت الكثير من وزنها لربما بسبب الضغط النفسي التى تمر به
خرجت لتتناول مع والدتها واختها ولقد كانت ضحكاتهم رغم كل شئ تملئ الإرجاء فمريم خفيفة الظل وتلقى بنكاتها طوال الوقت.
مر باقى اليوم سريعا ولكنها اخيرا نامت فترة الليل لتستيقظ صباحاً لتجد الساعه السادسه.
لم تسمع صوت المنبه ترجلت سريعاً من الفراش ومن ثم ارتدت ملابسها ومشتت شعرها ونزلت سريعاً لتذهب لجامعتها.
كانت قلقة للغاية كم المؤكد ستتأخر كثيرا وبالفعل تاخرت على اولى محاضراتها لننتظر فى إحدى أماكن تجمع الطلبة لتلتحق بالمحاضرة القادمة من بدايتها
وقبل أن تدخل المحاضرة التالية انتبهت لوجود شخص تشعر انها رأته قبلا.
وقفت مكانها وهى تنظر لهذا الرجل طويل القامة الذى يرتدى ملابس رسمية وملامح وجه تنم عن كونه اجنبى.
نعم تذكرت الان أنه أحدى حرس هذا المدعو فريد على ما تتذكر اسمه عندما أخبرها العميد بالأمس.
أنقبض قلبها هكذا إذن الأمور لم تنتهى من المؤكد هو هنا لأجلها وخاصتا أنه بالفعل يرمقها بالنظرات كل فتره وجيزة من الوقت.
توترت وخاصتا أنها فهمت الان أن ما كان يقصده هذا الوغد بالأمس من الواضح أنه ينفذه الان
تحركت لمكان المحاضرة التالية.
وهى تفكر هل سيخطفونها، أنهم يخططون لما هو اسوء.
حاولت أن تشغل عقلها بما تسمعه بالمحاضرة وبالفعل نجحت فى ذلك .
كانت تجلس بجانب زميلتها ريم والتى اتفقت معها بعد المحاضرة سيتناقشون فى تلك المحاضرة التى لم تنتبه لها أمس.
انتهت المحاضره وخرجت الفتاتان سويا ليجلسون فى بهو إحدى المدرجات الفارغه وتبدء ريم بالشرح لملك ما فاتها أمس من المحاضره.
خرجت الفتاتان بعد القليل من وقت كان قد غادر معظم الطلبه لترى ملك هذا الرجل يقف بعيدا وينظر لهم فتأكدت الان مخاوفها وتوترت واخبرت زميلتها أنها لابد لها الان أن تغادر.
استقلت الحافلة عائدة لمنزلها وكانت تنظر من نافذة الحافلة ولكنها لم تنظر للسماء كأمس وانما كانت تنظر لتلك السياره التى تتبع الحافلة خاصتها والتى ترى بداخلها هذا الحارس.
نزلت من الحافلة وكانت تخطوا خطوات سريعة وتتلفت خلفها عندما تأكدت أن تلك السيارة تتبعها داخل هذا الحى الذى تقطن به.
كانت تفكر ماذا تفعل فهى فى حقيقة الأمر لا تخاف على ذاتها وانما تخاف الان اكثر من أن تكون سبباً لتعرض عائلتها لأى ضرر بسبب هذا الاحمق وأخيه
حاولت الهروب من السيارة فى شوارع ضيقة لا تستطيع السيارة الدخول بها وكانت تظن أن هذا الرجل الذى يتابعها من المؤكد سيترجل من السياره خلفها ولكنه لم يفعل هدء من روعها عندما تأكدت أن تلك السيارة لم تستطيع تتبعها أكثر وعادت لمنزلها ولكن من طرق وشوارع ضيقة ومختلفة عن تلك التى تصل بها كل يوم لمنزلها صعدت ومر باقى اليوم بد
ون احداث. ولكنها وللأسف لم تغفو لدقيقة فى هذه الليلة من التفكير.
و الغريب فى الأمر أنها فى صباح اليوم التالي وبعد نزولها من درجات المنزل وقبل أن تخرج من باب المبني التى تقطن به رأت تلك السيارة تقف أمام منزلها من الجهة الاخرى.
